إن انتقال العلاقة بين الشركاء من التوافق إلى النزاع لا يهدد فقط المصالح الخاصة للمساهمين، بل يمتد أثره ليعطل عجلة الإنتاج ويضر بالاقتصاد الكلي نتيجة تعثر الشركة وتراكم التزاماتها. من هذا المنطلق، وانطلاقاً من مبدأ الحفاظ على المنشأة الاقتصادية، شرع القانون ‘دعوى فصل الشريك‘ كعلاج جذري يهدف إلى استئصال سبب النزاع مع الإبقاء على الشركة قائمة. وبهذا، يتم حماية الشركة من الانهيار ومن الغرامات الناتجة عن تعطل إدارتها.
هل يعرف القانون العراقي “دعوى فصل الشريك”؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد نص عام يسمح بفصل الشريك في الشركات المساهمة أو المحدودة.
لكن المشرع العراقي وضع مخرجاً صريحاً وحيداً في باب “الشركة البسيطة”. فوفقاً للمادة (191) من قانون الشركات، أتاح القانون لبقية الشركاء اللجوء إلى القضاء. وبالتالي، يمكنهم طلب فصل شريك رغماً عنه.
المادة (191): الملاذ القانوني لإخراج الشريك
نصت هذه المادة على أنه يجوز لأغلبية الشركاء في الشركة البسيطة حصراً أن يطلبوا من محكمة البداءة إصدار قرار بفصل شريك، شريطة وجود “أسباب جدية” تسوغ ذلك.
ما هي “الأسباب الجدية” التي تقبلها المحكمة؟
بما أن القانون لم يحصر هذه الأسباب، فيمكن تفسيرها وفقاً للتالي:
- إخلال الشريك بواجباته الجوهرية المنصوص عليها في عقد الشركة.
- قيام الشريك بأعمال تضر بمصالح الشركة أو تسبب نزاعاً يشل حركتها.
- عدم تقديم الحصة التي تعهد بها في رأس المال.
ماذا عن بقية الشركات (المحدودة، التضامنية، المساهمة)؟
في هذه الشركات، لم ينص القانون على “دعوى فصل”. وإذا ما أراد الشركاء التخلص من شريك “معرقل”، فإنهم يسلكون طرقاً قانونية مغايرة تماماً، مثل:
- تصفية حصة الشريك: في حال إفلاسه أو حجز حصته من قبل دائن شخصي (وفق المادة 70).
- انسحاب الشريك: وهو عمل إرادي من الشريك نفسه.
- تعديل عقد الشركة: بقرار من الهيئة العامة وموافقة الطرف المراد إخراجه من عقد الشركة، ولكن يجب أن ينسجم مع الإجراءات الشكلية والموافقة القانونية، وغالباً ما يكون صعباً إذا كان الشريك يملك حصة مؤثرة.
الآثار المترتبة على قرار الفصل (في الشركة البسيطة)
إذا اقتنعت المحكمة بالأسباب وأصدرت قرارها بالفصل، تترتب الآثار التالية:
- استمرار الشركة: لا تنحل الشركة بخروج الشريك المفصول، بل تستمر بين الباقين (المادة 191).
- تقدير الحصة: يتم تقدير قيمة حصة الشريك المفصول بالاتفاق، أو عن طريق خبير تعينه المحكمة، وتدفع له نقداً.
- المسؤولية عن الديون: يبقى الشريك المفصول مسؤولاً عن الديون التي ترتبت في ذمة الشركة حتى تاريخ فصله.
ولو أردنا مقارنة ما موجود في التشريع العراقي مع التشريع الاماراتي نلاحظ الاتي:
ان النص في القانون الاماراتي ورد على سبيل الاطلاق وليس الحصر، حيث نصت المادة 677 من قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة على الاتي: “يجوز لأغلبية الشركاء أن يطلبوا من القضاء الحكم بفصل أي شريك متى استندوا في ذلك لأسباب جدية تبرر الفصل”
وهذا معناه ان طلب فصل الشريك المقدم الى المحكمة يخص كل أنواع الشركات وليست شركة بعينها، عكس التشريع العراقي الذي حددها بالشركة البسيطة فقط.
اما الحال في التشريع المصري، فنلاحظ ان المشرع المصري لم ينص على هذه الدعوى في قانون الشركات. لكنه نص عليها في القانون المدني: “يجوز لكل شريك أن يطلب من القضاء الحكم بفصل أي من الشركاء يكون وجوده في الشركة قد آثار اعتراضاً على مد أجلها أو تكون تصرفاته مما يمكن اعتباره سبباً مسوغاً لحل الشركة، على أن تظل الشركة قائمة فيما بين الباقين”.
نصيحة المستشار القانوني
بما أن حق الفصل “قضائياً” محصور في نوع واحد من الشركات (البسيطة)، وبما أن الشركات المحدودة والمساهمة هي الأكثر شيوعاً، فإن الحل الأمثل لحماية عملك هو صياغة عقد الشركة (الأساسي).
يجب أن يتضمن العقد بنوداً واضحة حول “التخارج” وآليات معالجة الخلافات الجوهرية. وذلك لأن القاضي في الشركات المحدودة والمساهمة مقيد بنصوص القانون. إضافة إلى ذلك، لا تمنحه السلطة لفصل شريك إلا في حالات نادرة تتعلق بفقدان الشريك لأهليته أو إفلاسه.
خلاصة القول: في العراق، إذا كنت في “شركة بسيطة”، فالقانون منحك حق طلب الفصل عبر المحكمة. أما في أنواع الشركات الأخرى، فإن “العقد” هو سيد الأحكام، والبحث عن الثغرات القانونية لإخراج شريك مخل يتطلب دقة عالية وخبرة في قانون الشركات.
