يُعد مضيق هرمز الشريان المائي الأهم في العالم لتدفق إمدادات الطاقة، حيث يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط (ما يقارب 21 مليون برميل يومياً). في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، يبرز التساؤل الأهم لدى المستثمرين وصناع القرار: ماذا لو تم إغلاق مضيق هرمز؟ وكيف سينعكس هذا الحدث على الاقتصاد العالمي، وعلى وجه الخصوص، الاقتصاد العراقي؟
زلزال يضرب الأسواق العالمية
إن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز لن يكون مجرد أزمة إقليمية، بل صدمة اقتصادية عالمية تتجاوز حدود الطاقة لتضرب مفاصل التجارة الدولية. وتتجلى أبرز هذه التداعيات في:
قفزة تاريخية في أسعار النفط: انقطاع ملايين البراميل فجأة سيؤدي إلى ارتفاع جنوني وفوري في أسعار النفط الخام، مما يرفع تكاليف الإنتاج والنقل على مستوى العالم.
موجة تضخم عالمية: سيؤدي غلاء أسعار الطاقة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية، مما يدفع البنوك المركزية العالمية إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، وهو ما يهدد بحدوث ركود اقتصادي عالمي.
أزمة سلاسل التوريد: لن يقتصر التأثير على النفط، بل سيشمل تدفقات الغاز الطبيعي المسال (خاصة من قطر)، مما سيخلق أزمة طاقة خانقة في الأسواق الآسيوية والأوروبية.
الاقتصاد العراقي في عين العاصفة
بالنسبة للعراق، يمثل إغلاق مضيق هرمز تهديداً وجودياً للاستقرار الاقتصادي المالي. فالاقتصاد العراقي ريعي يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات بيع النفط، وتكمن نقطة الضعف الاستراتيجية في الجغرافيا.
يعتمد العراق على موانئ البصرة المطلة على الخليج العربي لتصدير الغالبية العظمى من نفطه. وفي حال إغلاق المضيق، ستكون التداعيات كالتالي:
شلل في الصادرات والإيرادات: توقف حركة الناقلات يعني عجز العراق عن تصدير الجزء الأكبر من إنتاجه، مما يؤدي إلى انخفاض حاد وفوري في الإيرادات المالية للدولة.
تعثر الموازنة العامة: عدم القدرة على تصدير النفط سيجعل الحكومة عاجزة عن تمويل الموازنة التشغيلية (دفع رواتب الموظفين) والموازنة الاستثمارية (تمويل المشاريع والبنية التحتية).
توقف الاستثمارات الأجنبية: حالة عدم اليقين وشلل قطاع التصدير ستدفع الشركات الأجنبية العاملة في حقول الجنوب إلى تقليص عملياتها أو تجميد استثماراتها مؤقتاً.
حقيقة اقتصادية: إن استمرار الاعتماد شبه الكلي على مسار بحري واحد يمر عبر نقطة اختناق جيوسياسية يجعل الاقتصاد العراقي رهينة للتوترات الإقليمية، مما يفرض ضرورة ملحة لإعادة رسم خريطة التصدير.
الحلول الاستراتيجية: لماذا يعتبر تنويع المسارات مسألة أمن قومي؟
في ضوء هذه المخاطر، تكتسب التحركات الحكومية الأخيرة (التي أشرنا إليها في تقاريرنا السابقة) أهمية استراتيجية بالغة. لكي يحمي العراق اقتصاده من "صدمة هرمز"، يجب تسريع العمل على مسارات تصدير بديلة:
إحياء خطوط الأنابيب الاستراتيجية: الإسراع في تنفيذ الاتفاقيات الأخيرة لمد أنابيب النفط نحو سوريا والبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى حل الإشكاليات المتعلقة بخط "كركوك - جيهان" التركي لرفع طاقته الاستيعابية.
مشروع طريق التنمية: ربط العراق بشبكات سكك حديدية وطرق برية حديثة مع تركيا وأوروبا يمثل خط طوارئ حيوي لنقل السلع التجارية والوقود بعيداً عن الممرات البحرية المهددة.
تطوير قطاع التكرير المحلي: زيادة قدرة المصافي الداخلية لتقليل استيراد المشتقات النفطية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، مما يقلل من خروج العملة الصعبة في أوقات الأزمات.
إن إدراك المستثمرين والشركات الدولية لخطورة هذا السيناريو، وللجهود التي يبذلها العراق حالياً لتنويع مسارات التصدير عبر الشراكات الأمريكية والإقليمية، يعزز من قيمة الاستثمار في مشاريع البنية التحتية البديلة التي ستكون الملاذ الآمن للطاقة العالمية في المستقبل.
